حسن الأمين

281

مستدركات أعيان الشيعة

وقال اليافعي : وفيها توفي عالم الشيعة ، وعالم الرافضة ، صاحب التصانيف الكثيرة ، شيخهم المعروف « بالمفيد » ، و « بابن المعلم » البارع في الكلام والجدل والفقه ، وكان يناظر أهل كل عقيدة ، مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية . ( 1 ) وقال ابن النديم : « إليه انتهت رئاسة متكلمي الشيعة ، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه ، دقيق الفطنة ، ماضي الخاطر ، شاهدته فرأيته بارعا » . ( 2 ) قال الشيخ الطوسي صاحب الفهرست : إن له قريبا من مائتي مؤلف . ( 3 ) وثانيهم : السيد المرتضى - وهو من عقدنا هذه الدراسة له . وثالثهم : محمد بن علي بن الحسن الطوسي 385 - 460 صاحب الفهرست المعروف . قال ابن الجوزي في حوادث 460 : وفيها توفي من الأكابر أبو جعفر الطوسي فقيه الشيعة . ( 4 ) وقال ابن كثير الشامي : كان فقيه الشيعة مشتغلا بالإفادة إلى أن وقعت الفتنة بين الشيعة والسنة سنة 441 واحترقت داره وكتبه بالكرخ . ( 5 ) وعن تاريخ مصر والقاهرة : فقيه الامامية وعالمهم ، وصاحب التصانيف ، كان رافضيا ، قوي التشيع . ( 6 ) قال صاحب الروضات : محمد بن علي بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة ، عين صدوق ، عارف بالأخبار والرجال ، والفقه والأصول ، مصنف في كل فنون الإسلام ، ومهذب للأصول والفروع . كان له كرسي الكلام في بغداد ، ولم يعط يوما إلا للمتميز من أعلامها . ( 7 ) ويكفي لبيان جهده في خدمة مذهبه أن له كتابين من كتب الفقه الشيعية الأربعة التي يعدونها الأصول لجميع كتبهم في الفقه ، وهما كتاب « التهذيب » وكتاب « الاستبصار » . والحق أن الشيعة أبدوا من الاستبسال والاستضراء والحماسة لمذهبهم ما استطاعوا أن يكسبوا به الجانب السياسي إلى حد بعيد ، وأن يتناولوا المبادأة في المعارك المذهبية ، وأن يقوموا بغربلة شاملة لمختلف الطوائف الشيعية نقضا لما لا يرتضون ، واستدراجا لمن يرتضون ، حتى يصح أن يقول القائل أن أكثر الطوائف الإمامية الشيعية ، التي نشهد لها وجودا في كتب الملل والنحل لم يعد لها وجود ظاهر بين الناس آنذاك . روى السيد المرتضى عن الشيخ المفيد أنه قال : وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا - وهو سنة 373 - إلا الامامية الاثني عشرية ، القائلة بامامة « ابن الحسن » المسمى باسم رسول الله ، القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف ، وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلماء ، ومتكلمين ونظارا ، وصالحين وعبادا ، ومتفقهين وأصحاب حديث ، وأدباء وشعراء ، وهم وجه الامامية ورؤساء جماعتهم ، والمعتمد عليهم في الديانة ، ومن سواهم منقرضون ، لا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقالة ، ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته ، وإنما الحاصل منهم حكاية عمن سلف ، وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت . ( 8 ) ومن أجل تصوير صنيع المرتضى في مؤلفاته على وجهه السوي ، لا بد من استعراض الفترات التي مرت بالتشيع . فقد بدأ التشيع لعلي من يوم وفاة الرسول ، ووجد الامام عددا من الصحابة مهاجرين وأنصارا يذهبون إلى إمامته وخلافته من بعد وفاة الرسول ، وظلت الفكرة قائمة على شيء من الوضوح حينا والخفاء أحيانا ، ممتدة بعد مقتل الامام في أولاده ، أو في الحسن والحسين بخاصة من أولاده ، فالأئمة من أولاد الحسين . وكانت الفكرة معرضة دائما إلى التهديد من جانب الخلفاء ، مما حمل أصحابها إلى التنادي بها في خفاء وستر ، وإلى العمل بها بعيدة عن الآفاق الضاحية . ورأي يعمل به في السر لا بد أن يتعرض في نفسه إلى كثير من البلبلة ، وإلى غير قليل من الانقسام ، في أعيان الأئمة في عددهم ، وزاد الطين بلة أن خصومهم من الأمويين والعباسيين يملكون من وسائل القوة والدعاوة ما لا قبل لهؤلاء به ، فأكثروا من القول في مذاهبهم ، ونسبوا إليهم ما هم براء منه ، وما لو مكنوا من الإفصاح عنه لبرؤا منه ، ولنفوه عن مقالتهم . فإذا أضفنا لذلك خوف أئمة الشيعة أحيانا من الجهر بمقالاتهم ، وانزوائهم بحكم الحجر عليهم عن أتباعهم ، والعمل بالتقية التي قد تقضي على الامام أن يجاري أهل السنة في فقههم ، أو في أصول عقائدهم ، ثم جهل عدد كبير من الشيعة بأصول المذهب ، لعدم تيسر الوسائل لفهمه ، وروايتهم لبعض الأحاديث عن الأئمة في غير مراعاة لحفظ النص على حاق لفظه ، أو فهمه على واقع مؤداه ، أدركت المهمة الملقاة على عاتق علماء القرن الرابع من الشيعة - وبخاصة السيد المرتضى - في تحرير تلك الأصول ونفي ما علق بها . وهناك حقيقة خافية على كثير من الباحثين ، هي أن الشيعة ما كان لفقهائهم حق الاجتهاد ، أو حاجة إلى الاجتهاد ، أو حق الفحص المتحرر في أصول العقيدة وفقهها ما دام أئمتهم على قيد الحياة ، وما دام يمكن الرجوع إليهم في أي أمر من أمور الشريعة ، ولذلك لم يعملوا ذهنا ، ولم يفتقوا قريحة ، ولم يعمل أحد باجتهاده طيلة القرون الثلاثة الأولى ، وإلى غيبة أمامهم الكبرى سنة 329 ه‍ ، وطوال هذه المدة كانوا إخباريين ، رواة حديث عن الأئمة ، وأنت تعرف ما يلحق الأحاديث على مرور الأيام من تحوير وتحريف ، وسوء نقل وتضارب ، وتناقض وكذب وافتراء في بعض الأحايين . وقد بدأ الاجتهاد - بمعنى النظر الشخصي في الأدلة - في ثنايا القرن الرابع الأولى على يد « العماني » و « ابن الجنيد » - وقد شرحنا ذلك في الظاهرة الأولى - مع قيام الطبقة الراوية المحدثة كمحمد بن بابويه القمي . وكان عزيزا على المحدثين من الشيعة أن يقوم هؤلاء بجرد أخبار آل

--> ( 1 ) تاريخ اليافعي حوادث 413 . ( 2 ) فهرست ابن النديم ص 252 و 279 . ( 3 ) فهرست الشيخ الطوسي « ترجمة المفيد » . ( 4 ) روضات الجنات « ترجمة المفيد » . ( 5 ) وروضات الجنات « ترجمة المفيد » . ( 6 ) روضات الجنات « ترجمة المفيد » . ( 7 ) روضات الجنات ج 2 ص 580 - 584 ط إيران . ( 8 ) الشافي ج 1 ص 184 إلى 185 والفصول المختارة من العيون والمحاسن ج 2 ص 111 ط النجف .